تواصل الجزائر وفيتنام ترسيخ شراكتهما الاستراتيجية في مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، ولم تعد هذه العلاقة محصورة في الإرث التاريخي المشترك القائم على دعم حركات التحرر والنضال ضد الاستعمار، وإنما أصبحت اليوم تتجه بشكل واضح نحو بناء تعاون اقتصادي شامل ومتعدد القطاعات، يجمع بين الزراعة والصناعة والطاقة والتكوين الجامعي والبحث العلمي.
هذا التحول يعكس إرادة سياسية واقتصادية لدى البلدين للانتقال من علاقات رمزية وتاريخية إلى شراكات عملية قائمة على الاستثمار والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وتوسيع المبادلات التجارية.
في إطار هذا التوجه، احتضنت ولاية سكيكدة زيارة عمل مهمة للسفير الفيتنامي في الجزائر تران كووك خان، والتي شكلت محطة أساسية في مسار تعزيز التعاون بين البلدين على المستوى المحلي والجهوي، وليس فقط على المستوى المركزي.
الزيارة حملت طابعًا اقتصاديًا واستكشافيًا عميقًا، حيث تم خلالها بحث فرص شراكة جديدة في قطاعات تعتبر من ركائز التنمية المستقبلية، على غرار الزراعة والصناعات الغذائية، الطاقات المتجددة، الصيد البحري، والتكوين الجامعي.
وخلال اللقاءات مع والي ولاية سكيكدة تم التركيز على أهمية هذه الولاية باعتبارها قطبًا صناعيًا واستثماريًا استراتيجيًا في الجزائر، نظرًا لما تحتويه من بنية تحتية متقدمة في مجالات البتروكيمياء والطاقة، إضافة إلى المشاريع المستقبلية المرتبطة بالتحول الطاقوي، خصوصًا مشاريع الهيدروجين الأخضر الموجه للأسواق الأوروبية.
كما تم التأكيد على أن سكيكدة يمكن أن تتحول إلى منصة تعاون صناعي وزراعي بين الجزائر وفيتنام، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وإمكاناتها الصناعية واللوجستية.
تُعد ولاية سكيكدة واحدة من أهم الأقطاب الصناعية في الجزائر، وهو ما يجعلها مؤهلة للعب دور محوري في أي شراكة اقتصادية دولية، خاصة مع دول تمتلك خبرات صناعية وتكنولوجية متقدمة مثل فيتنام.
وفي هذا السياق، تُطرح إمكانيات واسعة لتطوير مشاريع مشتركة في مجالات الصناعات التحويلية، الصناعات الغذائية، البتروكيمياء، الطاقات المتجددة، وحتى الصناعات الموجهة للتصدير، بما يسمح بخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على الواردات.
كما عبّرت السلطات المحلية عن استعدادها الكامل لتسهيل التعاون مع الشركاء الفيتناميين، عبر توفير البيئة المناسبة للاستثمار وتطوير مشاريع مشتركة ذات بعد استراتيجي طويل المدى.
يأتي تعزيز التعاون مع فيتنام في سياق دولي يتميز بصعود واضح لاقتصادات آسيا الناشئة، حيث أصبحت فيتنام واحدة من أكثر الاقتصادات ديناميكية في المنطقة، محققة نموًا اقتصاديًا تجاوز 8% في سنة 2025، وهو ما يعكس قوة نموذجها التنموي القائم على التصنيع والتصدير والانفتاح الاقتصادي.
هذا الأداء الاقتصادي يجعل من فيتنام شريكًا جذابًا للجزائر في إطار سياسة تنويع الشراكات الاقتصادية، خصوصًا في ظل التحولات العالمية نحو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والإنتاج.
تشهد المبادلات التجارية بين الجزائر وفيتنام تطورًا تدريجيًا، رغم أنها لا تزال دون مستوى الطموحات السياسية المعلنة.
ففيتنام تصدر إلى الجزائر مجموعة متنوعة من المنتجات تشمل القهوة الروبوستا، الفلفل، الكاجو، النسيج، والصلب، وهي منتجات تعكس قوة الصناعة الفيتنامية في القطاعات التحويلية والغذائية.
في المقابل، تصدر الجزائر نحو فيتنام منتجات زراعية وعلى رأسها التمور، إضافة إلى بعض المواد الأولية والمدخلات الصناعية، ما يعكس بداية تشكل تكامل اقتصادي يمكن تطويره نحو مستويات أعلى من التعاون الصناعي المشترك والاستثمار المباشر.
ويُنظر إلى هذا التبادل كقاعدة أولية قابلة للتوسع نحو شراكات إنتاجية، خاصة في مجالات الصناعات الغذائية والتحويلية التي تمثل نقطة التقاء بين البلدين.
من بين أبرز محاور التطوير المستقبلي للعلاقات الجزائرية–الفيتنامية، يبرز التعاون في مجال التعليم العالي والبحث العلمي كأحد أهم الرهانات الاستراتيجية.
حيث يُرتقب تطوير برامج تبادل أكاديمي بين الجامعات الجزائرية والفيتنامية، تشمل تبادل الطلبة والأساتذة، وتنظيم مشاريع بحث مشتركة في مجالات التكنولوجيا، الزراعة الحديثة، الطاقة المتجددة، والصناعة الذكية.
كما يمكن أن يشكل هذا التعاون قاعدة لتكوين جيل جديد من الكفاءات المشتركة القادرة على قيادة مشاريع اقتصادية وعلمية بين البلدين في المستقبل.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..