تتجه الجزائر بشكل متسارع نحو ترسيخ نموذج جديد في التنمية الفلاحية يقوم على دمج الطاقة الكهربائية كعنصر أساسي في تطوير الإنتاج الزراعي، حيث أصبحت عملية ربط المستثمرات الفلاحية بشبكة الكهرباء واحدة من أهم التحولات البنيوية التي يشهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، لما لها من تأثير مباشر على رفع الإنتاجية وتوسيع الاستثمارات وتحسين استغلال الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، كشفت سونلغاز عن تسجيل تقدم كبير خلال سنة 2025 في برنامج كهربة المستثمرات الفلاحية، حيث تم ربط 96171 محيطاً فلاحياً عبر مختلف ولايات الوطن، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الجهود المبذولة من أجل دعم الفلاحة العصرية وتقليص الفوارق التنموية بين المناطق.
هذا الرقم لا يعكس فقط توسعاً في البنية التحتية الطاقوية، بل يشير أيضاً إلى تحول نوعي في طريقة ممارسة النشاط الفلاحي، حيث أصبح الفلاحون والمستثمرون يعتمدون بشكل متزايد على الكهرباء لتشغيل أنظمة السقي المحوري، ومضخات المياه العميقة، وغرف التبريد والتخزين، إضافة إلى تجهيزات التحويل الأولي للمنتجات الفلاحية، وهو ما ساهم في تحسين جودة الإنتاج وتقليص الخسائر بعد الجني.
وتُعد هذه التحولات ذات أثر اقتصادي مباشر، إذ سمحت بزيادة مردودية الاستغلالات الفلاحية ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، خاصة في الزراعات الاستراتيجية مثل الحبوب، الخضر، الأشجار المثمرة، والزراعات الصناعية، فضلاً عن دعم المشاريع الاستثمارية الكبرى في الجنوب والهضاب العليا.
وفي إطار الرؤية المستقبلية، تعمل سونلغاز على توسيع هذا البرنامج ليشمل أكثر من 110 آلاف مستثمرة فلاحية، في خطوة تهدف إلى تعميم الاستفادة من الطاقة الكهربائية في المناطق الريفية، بما يساهم في خلق بيئة استثمارية أكثر جاذبية واستقراراً، ويشجع على إدخال التقنيات الحديثة في الزراعة.
كما يتزامن هذا التوجه مع برنامج أوسع لتقوية الشبكات الكهربائية الوطنية، من خلال إنجاز محطات نقل جديدة وتوسيع مراكز التحويل، وهو ما يضمن استمرارية التموين واستجابة أفضل للطلب المتزايد على الطاقة، خصوصاً في الفترات الحساسة من الموسم الفلاحي.
ومن الناحية الاقتصادية، يعتبر ربط المستثمرات الفلاحية بالكهرباء أحد أهم محركات التحول نحو فلاحة حديثة تعتمد على التكنولوجيا والطاقة النظيفة نسبياً، حيث يساهم في تقليل الاعتماد على الطاقات التقليدية المكلفة، ويفتح المجال أمام الاستثمار في سلاسل إنتاج متكاملة تشمل الإنتاج والتحويل والتخزين والتسويق.
كما أن هذا التوسع في الربط الكهربائي ينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي الوطني، من خلال تحسين استقرار الإنتاج الفلاحي وتقليل التذبذبات المرتبطة بالعوامل المناخية أو نقص الموارد الطاقوية، وهو ما يعزز قدرة الجزائر على تقليص وارداتها من بعض المنتجات الفلاحية.
ويرى مختصون أن هذه الديناميكية تمثل مرحلة انتقالية مهمة في مسار تحديث الفلاحة الجزائرية، حيث لم يعد الاستثمار الفلاحي مرتبطاً فقط بتوفر الأرض والمياه، بل أصبح مشروطاً أيضاً بتوفر الطاقة والبنية التحتية الذكية، ما يعيد رسم أولويات التنمية الريفية في البلاد.
ويمكن اعتبار برنامج كهربة المستثمرات الفلاحية الذي تقوده سونلغاز ركيزة استراتيجية في بناء فلاحة عصرية ومستدامة، قادرة على خلق القيمة المضافة، ورفع الإنتاج الوطني، وتحقيق توازن أفضل بين متطلبات التنمية الاقتصادية وأمن الغذاء في الجزائر.
حبيبة.ر


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..