حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

في ظل التحديات الكبيرة وجهود الدولة وسعيها المتواصل لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب، سواء بتوسيع المساحات المزروعة أو تسخير المشاريع المختلفة، يلوح في الأفق خيار ممتاز جدا، يمكن أن يكون بديلا استراتيجيا للقمح بنوعيه والشعير، أو كخيار إضافي لسد وتأمين الإحتياجات الوطنية المتزايدة من تلك المواد. وبالأخص بالنسبة لفئات معينة من الجزائريين كمرضى السيلياك أو حتى السكري، إنها “الكينوا”، الغذاء الفاخر الذي يزحف رويدا رويدا ليتخذ له مكانة ضمن خطة البلاد لتحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان الأمن الغذائي.

نجاح كبير لزراعة “الكينوا” في واحات الجنوب

“الكينوا”، هي محصول واعد من عائلة القطيفات، تشرح مديرة محطة المعهد التقني لتنمية الزراعة الصحراوية بولاية المغير ،حليمة خالد لـ”الفلاحية ديزاد”: “موطنها الأصلي جبال الأنديز بأمريكا اللاتينية. وتعتبر من أشباه الحبوب لتشابه طريقة استهلاكها بالأرز والقمح، ويتراوح حجمها بين 1و2 ملم، أدخلت إلى الجزائر في نهاية العام 2013، وبداية العام 2014 عن طريق المنظمة العالمية للتغذية والزراعة عبر مشروع خاص بالجزائر وبعض الدول العربية والآسيوية مثل لبنان، وإيران.”

ولقد نجح المعهد التقني لتنمية الزراعة الصحراوية في متابعة نشر وتطوير هذه الزراعة البديلة في المناطق الصحراوية خاصة في منطقة الواحات.

تعد الكينوا من الحبوب الكاملة الغنية بالعناصر الغذائية ومن الأطعمة السوبر، ولهذا تسمى بالطعام الفاخر، وذلك بالنظر لفوائدها الغذائية العديدة، فهي كما يوضح الخبير الفلاحي كريم حسن: “غنية بالبروتين الكامل، إذ تحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، مما يجعلها بديلا ممتازا للحوم وبالأخص للأشخاص النباتيين، كما أنها مصدر مهم للألياف، وتساهم في تحسين الهضم والشعور بالشبع، وضبط مستوى السكر والكوليسترول في الدم، وتحافظ على صحة القلب لاحتوائها على دهون صحية، مثل أوميغا 3 ومضادات الأكسدة، كما أنها غنية بالمعادن والفيتامينات كالحديد والزنك والمغنيسيوم والفيتامين B وE . لكن الأهم من كل ذلك هو خلوها من الغلوتين. ما يجعلها بديلا غذائيا ممتازا لمرضى السيلياك الذي يعانون في الجزائر من شح وغلاء الغذاء الخاص بهم .”

لكن تلك الفوائد الغذائية ليست المبرر أو الدافع الوحيد لكون زراعة الكينوا بالجزائر خيارا ممتازا وواعدا وإنما لقدرتها على تحمل الظروف المناخية القاسية مثل الجفاف، فقر التربة، شح المياه، إضافة لقدرتها على النمو حتى في الأراضي المالحة.

وهذا ما جعل زراعتها بمنطقة الواحات، مثلما تؤكد حليمة خالد، مهندسة رئيسية في الفلاحة ومتخصصة في تطوير شعبة الكينوا وبعض الزراعات الصحراوية: “تعرف نجاحا كبيرا، خاصة في واحات واد ريغ، نظرا لتأقلمها الكبير مع خصائص هذه المنطقة الصعبة، من مقاومتها لملوحة المياه الباطنية المستعملة في السقي. وتملح التربة وارتفاع درجة الحرارة، وكذا جفاف المناخ، في ظل عدم تحمل محاصيل أخرى لتلك الظروف المناخية الصعبة.”

ومن هنا كانت الكينوا، تضيف محدثتنا: “زراعة بديلة لتثمين المياه المالحة حتى غير التقليدية منها .فقد جربنا سقيها كذلك بمياه الصرف الزراعي المضخة من الخنادق الثانوية المعروفة في المنطقة”.

تجارب رائدة في الهضاب العليا والمكننة هي الحل لتوسيع الإنتاج

الواقع أن نجاح زراعة الكينوا لم يقتصر فقط على المناطق الصحراوية وشبه الجافة في الجزائر، وإنما هناك تجارب ناجحة حتى في الشمال والهضاب العليا، وخير دليل على ذلك تجربة المستثمر الفلاحي لعياشي بشير من بلدية الحمادية ولاية برج بوعريريج، والذي بدأ زراعتها في شهر سبتمبر من الموسم الفلاحي الفارط.

وحينما حان وقت حصادها في شهر جانفي الذي يليه، كانت المفاجأة كبيرة، كما يقول لـ”الفلاحية ديزاد”: “إذ كان المردود ممتازا حوالي 750 غرام في المتر المربع الواحد، لهذا عزمت هذا العام على زراعة مساحة معتبرة منها خاصة وأنني لاحظت أنها نبات يتلاءم مع المنطقة وسريعة النمو وخالية من الأمراض وتصلح لكل أنواع الأطباق من كسرة وحلويات”.

وهو نفس النجاح الذي لقيته تجربة المستثمر الفلاحي جابر شرقي من ولاية سطيف فبعد محاولة غير ناجحة في العام 2017، بسبب زرعها في موسم الشتاء، وبعد اتصاله بالمهندسة الزراعية حليمة خالد، اقترحت عليه زراعة الكينوا في فصل الصيف، فكانت تجربة ،كما يؤكد لـ”الفلاحية ديزاد”: “ناجحة بامتياز، وفي سنة 2018 قمت بتوسيع المساحة فزرعت نصف هكتار بالكينوا فتحصلت على نتائج جد مرضية.”

وأرجع المتحدث أسباب توجهه لزراعة هذه النبتة للتغيرات المناخية الصعبة التي تشهدها المنطقة، حيث أن جنوب ولاية سطيف يعاني في السنوات الأخيرة من الجفاف وقلة الأمطار ومياه الآبار المالحة، وهذه النبتة العجيبة مقاومة لتلك الظروف، إذ أنها لا تستهلك كثيرا من المياه والأدوية.

وعلى عكس لعياشي بشير فإن شرقي جابر لم يفكر بتوسيع مساحة زرع الكينوا رغم تأكيده على زيادة الطلب عليها من طرف الفنادق والمطاعم وبالأخص من مرضى السيلياك. ويفسر ذلك بصعوبة الحصاد والغسل، إذ كما يقول : “نحن نقوم بحصادها وغسلها يدويا لعدم توفر المكننة لاحتوائها على مادة الصابونين، وهي مادة شديدة المرارة، وهذا ما يتطلب وقتا و يدا عاملة كثيرة”.

وهو نفس المشكل الذي يطرحه المستثمر الفلاحي لعياشي بشير، ىإذ يشكو من غياب المكننة في عمليتا الزرع والحصد، لأن حبوب الكينوا دقيقة جدا ولا يمكن لبذارة القمح التحكم فيها.

كما يطرح المتحدث مشكلا آخر متعلقا بحصادها الذي يصادف موسم الشتاء في الهضاب العليا، وهذا ما يصعب العملية بالماكينة. كما يطمع في توفير عنابر من طرف الدولة لتخزين الكينوا لدى تعاونيات الحبوب.

ورغم تأكيده على أهمية زراعة القمح والشعير إلا أن المستثمر الفلاحي شرقي جابر يؤكد على أنه لو توفرت لديه آلات ووسائل خاصة بإنتاج الكينوا لفضل زراعتها بدل القمح والشعير لأنها حسبه: “أقل تكلفة وأكثر محصولا وأرباحا.”

ومثلما توضح المهندسة الفلاحية حليمة خالد: “إن المكننة ضرورية من أجل توفيرها كمادة أساسية نظيفة وخاضعة للمعايير الدولية، وهذا ما جعل المساحة المغروسة حاليا صغيرة نوعا ما ، إذ لا تتجاوز حاليا 10 هكتارات على مستوى كل التراب الوطني. تتوزع على عدة مناطق كالمغير، الواد، بسكرة ، تقرت، ورقلة ،عين صالح، غليزان ،البويرة وغيرها، وموزعة على الفلاحين من أجل الحفاظ على البذور أو بيعها للمؤسسات الخاصة بإنتاج أغذية مرضى السيلياك.”

المرأة الريفية تحمل مشعل تطوير النبتة القادمة من جبال الأنديز

ولأن المرأة الريفية هي من تحمل مشعل تطوير بعض الشعب والأنشطة الفلاحية، وتساعد على ترقية الإنتاج المحلي، فقد ركزت المهندسة حليمة خالد في أنشطتها على دورات تدريبية وأنشطة موجهة للمرأة الريفية بصفة مباشرة فتم إنشاء أول جمعية نسوية خاصة بتطوير شعبة الكينوا، ركزت فيها كما تقول: “على توسيع زراعتها من طرف النساء الريفيات وعلى طرق تحضيرها ، فتنوعت الأطباق بين من تحاكي الأكلات المحلية وبين الأكلات العصرية، كما تشاركنا بعض الأنشطة مع جمعيات مرضى السيلياك وأطفال التوحد. لما للكينوا من خصائص تؤهلها لتكون بديلا جيدا للقمح.”

الكينوا بديل متين للقمح والشعير المستوردين

كخبير في الفلاحة والموارد المائية والبيئة، يرى كريم حسن أن الكينوا تعتبر بديلا متينا للقمح والشعير المستوردين، مما يفتح آفاقا لتعزيز الاكتفاء الذاتي في حبوب غذائية غنية وعالية الجودة، حيث تسعى الجزائر، كما يقول: “لتطوير زراعة الكينوا ضمن استراتيجية الأمن الغذائي التي تعتمد على الزراعة البيولوجية، والتحكم في بذور أصلية محسنة، لضمان الفائدة الصحية وتغطية الطلب المتزايد”، يمكن إنتاج الكينوا محليا ،حسب كريم حسن ، لتقليل استيراد القمح الذي يعتمد عليه السوق الجزائري، وهذا يمثل تحقيقا لجزء من السيادة الغذائية والسياسية.

وفي ذات السياق يوضح المتحدث:” أن التحول نحو زراعة الكينوا في الجزائر، يجب أن يكون ضمن إطار استراتيجي متكامل، يشمل دعم البحث والتطوير في تحسين أصناف بذور الكينوا ،ونشر الوعي التقني والفلاحي بين الفلاحين، خاصة في المناطق الصحراوية وشبه الجافة، تشجيع الزراعة البيولوجية، لتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية والحفاظ على توازن التربة والبيئة”.

ولكن هذا التحول نحو زراعة الكينوا ونجاحه واستمراريته لا يتأتى كما تقول المهندسة الفلاحية حليمة خالد: “إلا عبر تبني زراعة الكينوا كشعبة فلاحية وتوفير المكننة وذلك ما ندعو له لأنه السبيل الوحيد لتوسيع مساحة الغرس والإنتاج.”

وهذا ما يتوقع تحققه في القريب العاجل بحكم أن وزارة الفلاحة في طريقها لإنشاء شعب فلاحية جديدة قد تكون الكينوا من ضمنها لما تتميز به من فوائد وخصائص عديدة.