حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في خطوة تُعد من أبرز التحولات الحديثة في مجال الفلاحة المندمجة وتربية الأحياء المائية في الجزائر، شهدت مزارع كوسيدار الواقعة بصحراء جنوب ولاية خنشلة انطلاقة فعلية لمشروع إنتاج سمك التيلابيا في بيئة صحراوية، وهو مشروع يندرج ضمن التوجه الوطني نحو تنويع مصادر الإنتاج الغذائي واستغلال الطاقات غير التقليدية في المناطق الداخلية.
وقد تم خلال المرحلة الأولى من هذا المشروع تسويق حوالي 30 قنطاراً من سمك التيلابيا، في مؤشر أولي على نجاح التجربة التقنية المعتمدة داخل الأحواض الاصطناعية، وعلى قدرة هذا النوع من الإنتاج على التأقلم مع الظروف المناخية القاسية للجنوب، خاصة مع التحكم في درجات الحرارة وجودة المياه داخل المنشآت المخصصة للتربية.
ويُعتبر هذا الإنجاز خطوة عملية مهمة في مسار تطوير الاستزراع السمكي في المناطق الصحراوية، حيث لم تعد الصحراء الجزائرية تُنظر إليها فقط كفضاء محدود بالفلاحة التقليدية أو الزراعات الواحية، بل أصبحت اليوم مجالاً استراتيجياً مفتوحاً أمام مشاريع إنتاج غذائي حديثة، تجمع بين الفلاحة وتربية الأحياء المائية ضمن منظومات إنتاج متكاملة تعتمد على التكنولوجيا والتحكم العلمي في الموارد.
ويعكس هذا المشروع أيضاً توجه المؤسسات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها كوسيدار، نحو الاستثمار في قطاعات جديدة خارج الإطار التقليدي للبناء والفلاحة الكلاسيكية، من خلال إدماج أنشطة تربية الأسماك في الصحراء كجزء من رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي الوطني، وخلق قيمة مضافة داخل البلاد بدل الاعتماد على الاستيراد.
ويكتسي اختيار سمك التيلابيا أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره من أكثر الأنواع ملاءمة لمشاريع الاستزراع السمكي الحديثة، نظراً لعدة خصائص أبرزها سرعة النمو، القدرة العالية على التأقلم مع مختلف الظروف البيئية، انخفاض تكلفة التربية مقارنة بأنواع أخرى، إضافة إلى الطلب المتزايد عليه في السوق الغذائية، ما يجعله خياراً اقتصادياً واستراتيجياً في آن واحد.
كما أن نجاح هذه التجربة الأولية في خنشلة يفتح الباب أمام إمكانية توسيع هذا النموذج إلى مناطق صحراوية أخرى، خاصة تلك التي تتوفر على مساحات واسعة وإمكانات مائية جوفية يمكن استغلالها ضمن مشاريع مدروسة، وهو ما من شأنه أن يخلق ديناميكية جديدة في القطاع الفلاحي الوطني، تقوم على التنوع والإدماج بين الزراعة وتربية الأحياء المائية.
ويرى مختصون في المجال الفلاحي أن هذا النوع من المشاريع يمثل تحولاً نوعياً في مفهوم الأمن الغذائي، حيث لم يعد يقتصر على الإنتاج الزراعي التقليدي فقط، بل أصبح يرتكز أيضاً على إدماج مصادر بروتين حيواني جديدة، مثل الأسماك، داخل منظومات إنتاج داخلية تقلل من التبعية الخارجية وتدعم الاستقرار الغذائي على المدى الطويل.
وتُبرز هذه التجربة كذلك أهمية الابتكار في استغلال الموارد الطبيعية غير المستغلة، حيث تتحول الصحراء من فضاء يُنظر إليه تقليدياً كمنطقة صعبة الإنتاج، إلى قطب اقتصادي واعد قادر على احتضان مشاريع استراتيجية في مجالات متعددة، منها الفلاحة، الطاقة، وتربية الأحياء المائية.