في مبادرة تحمل الكثير من الدلالات الإنسانية والبيئية، اختار عدد من الشباب في ولاية بجاية الصعود إلى قمم الجبال والمناطق التي أتت عليها الحرائق الأخيرة، لنثر الحبوب وتوفير الغذاء للطيور والحيوانات البرية التي وجدت نفسها في مواجهة ظروف صعبة بعد فقدان جزء كبير من موائلها الطبيعية.
وبدل الاكتفاء بمشاهدة آثار الحرائق التي غطت مساحات من الغطاء النباتي، قرر هؤلاء الشباب القيام بخطوة بسيطة في شكلها، لكنها تحمل رسالة كبيرة في مضمونها: مساعدة الكائنات التي بقيت على قيد الحياة بعد الحريق على تجاوز مرحلة ما بعد الكارثة.
فبعد انحسار ألسنة اللهب وإخماد الحرائق، تبدأ مرحلة أخرى أقل ظهورًا للعيان، لكنها لا تقل خطورة عن الحريق نفسه، وهي مرحلة استعادة النظام البيئي.
فالطبيعة لا تعود إلى وضعها الطبيعي بمجرد إخماد النار، وإنما تحتاج إلى سنوات في بعض المناطق حتى تستعيد الغطاء النباتي والتوازن البيئي الذي كان قائمًا قبل الحريق.
• عندما تختفي المساحات الخضراء.. تختفي معها مصادر الغذاء
تؤثر الحرائق بشكل مباشر في الحياة البرية، ليس فقط من خلال نفوق الحيوانات أو الطيور، وإنما أيضًا من خلال تدمير النباتات والأشجار والثمار والبذور والحشرات وغيرها من الكائنات التي تشكل حلقات أساسية في السلسلة الغذائية.
وعندما يتحول جزء من الغابة إلى مساحة متفحمة، تجد الحيوانات التي نجت من الحريق نفسها أمام بيئة مختلفة تمامًا.
المأوى يصبح أقل، والمياه قد تكون محدودة، ومصادر الغذاء الطبيعية تختفي أو تتراجع بشكل كبير.
وتصبح الطيور، خصوصًا الأنواع التي تعتمد على البذور والثمار والحشرات، أمام تحديات إضافية في العثور على الغذاء، بينما تضطر بعض الحيوانات إلى التحرك لمسافات أكبر بحثًا عن مناطق لم تتضرر بالنيران.
وفي هذه الظروف، يمكن لمبادرات توفير الغذاء أن تكون مساهمة مؤقتة تساعد بعض الكائنات على تجاوز الفترة الحرجة التي تلي الحرائق.
• الحبوب.. مساعدة بسيطة في مواجهة أزمة بيئية
نثر الحبوب على المناطق المتضررة قد يبدو للوهلة الأولى عملًا بسيطًا، لكنه يحمل قيمة رمزية كبيرة.
فالشباب الذين حملوا الحبوب إلى قمم الجبال أرادوا، من خلال هذه الخطوة، أن يقولوا إن آثار الحرائق لا يجب أن تُقاس فقط بعدد الأشجار التي احترقت أو مساحة الغابة التي فقدت، وإنما أيضًا بما أصاب الكائنات التي كانت تعيش داخل هذه المنظومة.
فالطيور والحيوانات البرية لا تستطيع طلب المساعدة، ولا تستطيع الانتقال بسهولة إلى بيئة جديدة، ولذلك تصبح في كثير من الأحيان من الضحايا غير المرئيين للحرائق.
وما تبقى من هذه الكائنات يحتاج إلى ظروف تسمح له بالبقاء والتكاثر إلى حين عودة الغطاء النباتي تدريجيًا.
• الحرائق لا تنتهي بإخماد النار
وتسلط هذه المبادرة الضوء على حقيقة أساسية في إدارة الكوارث البيئية، وهي أن إخماد الحريق يمثل بداية مرحلة جديدة، وليس نهاية الأزمة.
فبعد السيطرة على النيران تبدأ عملية تقييم الأضرار، ثم حماية المناطق المتضررة من التعرية والانجراف، ومتابعة قدرة النباتات على التجدد، وإعادة تأهيل الغطاء النباتي، ومراقبة الحياة البرية.
كما يمكن أن تظهر آثار أخرى للحرائق بعد فترة، خصوصًا مع هطول الأمطار، عندما تصبح التربة التي فقدت الغطاء النباتي أكثر عرضة للانجراف، وقد تتعرض المنحدرات لتدهور أكبر.
ولهذا فإن إعادة تأهيل الغابات المحترقة تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تأخذ في الاعتبار التربة والمياه والنباتات والحيوانات، وليس الأشجار وحدها.
• بجاية.. الطبيعة تتعافى تدريجيا
وتعد بجاية من الولايات الجزائرية التي تتميز بتنوع طبيعي وغابي كبير، ما يجعل المناطق المتضررة من الحرائق جزءًا من منظومة بيئية غنية ومتنوعة.
وتكتسي حماية ما تبقى من الحياة البرية في المناطق المحترقة، ومساعدتها على تجاوز الفترة الأولى بعد الحريق أهمية كبيرة.
فكل طائر نجا من النيران يمثل جزءًا من التنوع البيولوجي، وكل حيوان تمكن من الفرار يمثل فرصة لاستمرار السلسلة الطبيعية، وكل نبتة قادرة على التجدد تمثل خطوة نحو استعادة الغطاء النباتي.
ولهذا فإن مرحلة ما بعد الحريق ينبغي أن تنظر إلى المنطقة باعتبارها نظامًا بيئيًا يحتاج إلى التعافي، وليس مجرد مساحة أشجار ينبغي إعادة غرسها.
• من إطعام الحيوانات إلى استعادة النظام البيئي
ومع أهمية المبادرة، فإن توفير الحبوب يبقى بطبيعة الحال إجراءً مؤقتًا لا يمكن أن يحل محل عودة الموارد الطبيعية.
فالهدف النهائي يجب أن يكون استعادة قدرة البيئة نفسها على توفير الغذاء والمأوى والماء للكائنات البرية.
وهنا تبرز أهمية حماية التجدد الطبيعي للنباتات، ومنع الرعي العشوائي في المناطق الهشة، والحد من التدخلات التي يمكن أن تعيق استعادة الغطاء النباتي، إضافة إلى متابعة مصادر المياه والمناطق التي يمكن أن تصبح ملاذات مؤقتة للحيوانات.
كما يمكن للمتخصصين في البيئة والغابات تحديد المناطق الأكثر حاجة إلى التدخل، ومتابعة الأنواع التي تضررت، ودراسة كيفية إعادة بناء الموائل الطبيعية بطريقة تراعي خصائص المنطقة.
• الغابة ليست أشجارًا فقط
ربما تكون أهم رسالة تحملها هذه المبادرة أن الغابة ليست مجموعة من الأشجار فحسب.
الغابة هي طيور وحيوانات وحشرات وفطريات ونباتات وتربة ومياه، وهي شبكة مترابطة من العلاقات البيئية.
وعندما يحترق جزء منها، فإن الضرر لا يصيب الأشجار وحدها، وإنما يمتد إلى مختلف مكونات هذه المنظومة.
ولهذا فإن إعادة تأهيل الغابات يجب أن تعني إعادة الحياة، وليس مجرد إعادة زرع الأشجار.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..