حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تشهد نيجيريا خلال السنوات الأخيرة حركية متزايدة لإعادة إحياء قطاع القهوة، في ظل سعيها إلى تحسين موقعها داخل سوق عالمي تهيمن عليه دول غرب إفريقيا، وعلى رأسها كوت ديفوار، فيما لا تزال نيجيريا تُصنف كفاعل هامشي مقارنة بحجم الطلب العالمي المتزايد على هذه المادة الزراعية الاستراتيجية.
وتندرج هذه الديناميكية الجديدة ضمن جهود حكومية وخاصة متواصلة لإعادة بعث سلسلة إنتاج القهوة، من خلال إطلاق مشاريع زراعية واسعة النطاق، وتوزيع شتلات محسّنة، ودعم تقني ومؤسساتي موجّه للفلاحين، إلى جانب طموحات واضحة لتطوير التصنيع المحلي وتحسين القدرة التنافسية في مجال التصدير.
وفي هذا السياق، برز مشروع جديد تم إطلاقه في ولاية أوندو، بمبادرة مشتركة بين الحكومة الفيدرالية، والاتحاد الإفريقي لمنتجي الكاكاو والقهوة والجمعية الوطنية النيجيرية للقهوة والشاي إضافة إلى شركة خاصة، ويهدف إلى تطوير زراعة القهوة على مساحة تقدر بـ 1000 هكتار. ويُرتقب أن يشكل هذا المشروع نموذجًا تجريبيًا لإعادة بعث هذا القطاع، من خلال خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز سلاسل القيمة، ودعم الإنتاج المحلي الموجه للتصدير.
ويعكس هذا التوجه دعمًا سياسيًا متزايدًا من السلطات النيجيرية، التي بدأت خلال الأشهر الماضية في إدراج قطاع القهوة ضمن أولوياتها الزراعية، حيث أعلن وزير الزراعة والأمن الغذائي عن خطة لتوفير شتلات محسّنة لفائدة المنتجين، بهدف رفع الإنتاج الوطني وتحسين الجودة.
كما يبرز الدور المتنامي للقطاع الخاص في دفع عجلة الاستثمار داخل هذا المجال، من خلال شراكات استراتيجية واسعة. فقد وقّعت مجموعة “جي ار فارم” اتفاقًا مع حكومة ولاية كروس ريفر لتطوير 30 ألف هكتار من زراعة القهوة خلال خمس سنوات، مع التركيز على توسيع الإنتاج في عدة مناطق محلية، وتوجيه المرحلة الأولى نحو زراعة القهوة العربية في مناطق ذات مؤهلات مناخية ملائمة.
وفي السياق ذاته، وقّعت كل من “ناكوفتان” ومجلس البحث والتطوير للمواد الأولية بروتوكول تعاون يهدف إلى دعم البحث العلمي الزراعي وتوفير بذور محسنة وتطوير قدرات صغار المنتجين، مع خطة طموحة لتوسيع زراعة القهوة والشاي على مساحة 28 ألف هكتار بولاية تارابا خلال السنوات السبع المقبلة.
ورغم هذه المشاريع المتعددة، لا تزال نيجيريا تواجه تحديات بنيوية كبيرة في هذا القطاع، حيث تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن المساحات المزروعة ظلت شبه مستقرة خلال السنوات الأخيرة، مع إنتاج محدود لم يتجاوز 1800 طن، مقارنة بذروة تاريخية بلغت نحو 6000 طن في ثمانينيات القرن الماضي، ما يعكس حجم التراجع الذي عرفه هذا القطاع خلال العقود الماضية.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات داخل الأوساط المهنية إلى ضرورة وضع استراتيجية وطنية شاملة لإعادة هيكلة قطاع القهوة، تقوم على إدماجه في السياسات الزراعية العامة، ودعم المزارعين الصغار، وتطوير البنية التحتية للتخزين والتحويل، إلى جانب تحسين الإرشاد الزراعي وتعزيز القدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية.
وتؤكد هذه المبادرات أن مستقبل قطاع القهوة في نيجيريا مرتبط بمدى نجاحها في الانتقال من الإنتاج المحدود إلى رؤية اقتصادية متكاملة، قادرة على تحويل هذا المحصول إلى رافد حقيقي للتنمية الزراعية وتنويع مصادر الدخل، بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على محاصيل أخرى مثل الكاكاو والكاجو.