لا يعتمد اختيار المحصول المناسب للزراعة على نوع الحبوب وحده، وإنما يرتبط أيضًا بخصائص التربة، وتوفر المياه، وموعد الزراعة، وطبيعة المناخ السائد في المنطقة. وفي بعض الظروف الصعبة، يمكن أن يكون الشعير خيارًا أكثر ملاءمة من القمح، خصوصًا بفضل قدرته النسبية على تحمل الملوحة والجفاف وبعض البيئات الهامشية.
وتشير دراسات زراعية إلى وجود فروق واضحة بين القمح والشعير في الاستجابة للإجهادات البيئية، مع تسجيل قدرة أفضل لبعض أصناف الشعير على تحمل الملوحة والمحافظة على الإنتاج في ظروف صعبة.
• الأراضي المتأثرة بالملوحة
تعد الأراضي المالحة من أبرز الحالات التي يمكن فيها التفكير في زراعة الشعير بدلًا من القمح، إذ أظهرت تجارب مقارنة بين القمح القاسي والشعير في ظروف تجمع بين الملوحة ونقص المياه قدرة أعلى للشعير على تحمل مستويات معينة من ملوحة التربة.
وفي إحدى الدراسات، لم يتراجع إنتاج حبوب الشعير ضمن نطاق ملوحة للتربة بلغ حتى نحو 9.8 ديسيسيمنز/م، في حين ظهرت لدى القمح القاسي حساسية أكبر عند مستويات أقل من ذلك. ومع ذلك، فإن الاستجابة تختلف باختلاف الصنف ومستوى الملوحة ونوعية مياه الري والصرف.
لذلك لا يعني ذلك إمكانية زراعة الشعير في أي تربة شديدة الملوحة دون إجراءات أخرى، بل ينبغي تحليل التربة والمياه واختيار الصنف الأكثر تحملاً.
• الأراضي الرملية حديثة الاستصلاح
في الأراضي الرملية حديثة الاستصلاح، قد يواجه المزارع مشكلات مرتبطة بضعف الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية، وهو ما يجعل اختيار المحصول والصنف جزءًا أساسيًا من نجاح الزراعة.
وفي هذه الظروف يمكن أن يكون الشعير خيارًا مناسبًا، خصوصًا عندما تكون قدرة الأرض على الاحتفاظ بالمياه محدودة، شريطة توفير إدارة جيدة للري والتسميد وتحسين المادة العضوية والصرف بحسب خصائص الأرض.
ولا ينبغي النظر إلى طبيعة التربة الرملية وحدها باعتبارها سببًا كافيًا لاختيار الشعير؛ إذ يتوقف القرار على نتائج تحليل التربة وتوفر المياه وخصائص الصنف المزروع.
• عندما تكون المياه محدودة
يمثل نقص المياه أحد أهم العوامل التي تؤثر في إنتاج الحبوب، خصوصًا في المناطق الجافة وشبه الجافة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأمطار.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يمثل الشعير خيارًا زراعيًا مهمًا، خاصة عندما تكون الأمطار محدودة أو غير منتظمة، نظرًا إلى قدرته على التكيف مع بعض البيئات الجافة والهامشية.
لكن اختيار الشعير لا يلغي تأثير الجفاف؛ فالإجهاد المائي خلال مراحل تكوين السنابل والإزهار يمكن أن يخفض الإنتاج بشكل واضح، ولذلك تبقى إدارة المياه واختيار موعد الزراعة المناسب عاملين حاسمين.
• عند تأخر موعد الزراعة
يُعد تأخر الزراعة من الحالات التي قد ترجح الشعير على القمح في بعض المناطق، إذ أظهرت تجارب مقارنة أن الشعير يمكن أن يكون أكثر ملاءمة للزراعة المتأخرة من بعض أصناف القمح.
لكن ينبغي الحذر من اعتماد قاعدة ثابتة تقول إن الزراعة في يناير مناسبة دائمًا للشعير؛ فالتأخير الشديد في الزراعة يؤدي عمومًا إلى تقليص فترة النمو الخضري، وقد يؤثر في عدد الأشطاء ومكونات المحصول، كما أن ارتفاع درجات الحرارة خلال مراحل النمو المتأخرة قد يقلص الإنتاج.
لذلك، إذا اضطر المزارع إلى تأخير الزراعة، فمن الأفضل اختيار صنف مناسب للزراعة المتأخرة بدل الاعتماد على الشعير بصورة عشوائية.
• في المناطق المطرية قليلة الأمطار
في المناطق التي تعتمد على الأمطار ولا تحصل على كميات كافية من التساقطات لإنتاج محصول قمح مستقر، يمكن أن يكون الشعير خيارًا أكثر واقعية، خصوصًا في البيئات شبه الجافة.
وقد أظهرت تجارب في مناطق متوسطية أن الإنتاج في الزراعة المطرية يتأثر بشدة بموعد نزول الأمطار وتوفر الرطوبة، كما أن تقديم موعد الزراعة عندما تسمح الظروف يساعد المحصول على الاستفادة من الرطوبة المتاحة والهروب نسبيًا من الإجهاد الحراري والجفاف في نهاية الموسم.
• الشعير ليس بديلًا مطلقًا للقمح
ورغم هذه المزايا، لا ينبغي اعتبار الشعير محصولًا متفوقًا على القمح في جميع الظروف. فالاختيار الصحيح يتطلب دراسة نوع التربة، ومستوى الملوحة، وكمية الأمطار، وتوفر مياه الري، وموعد الزراعة، والصنف، والهدف من الإنتاج، سواء كان إنتاج الحبوب أو العلف.
وبالتالي، فإن الشعير يصبح خيارًا أكثر جاذبية خصوصًا عندما تكون الظروف الزراعية قاسية: ملوحة مرتفعة نسبيًا، محدودية المياه، أراضٍ هامشية، أو تأخر في موعد الزراعة.
وفي النهاية، فإن القرار الزراعي الناجح لا يقوم على اختيار الشعير أو القمح بصورة عامة، وإنما على اختيار المحصول والصنف الأكثر توافقًا مع ظروف الحقل، لأن ما ينجح في منطقة قد لا يعطي النتيجة نفسها في منطقة أخرى.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..