تشهد مختلف ولايات الوطن خلال السنوات الأخيرة حركية متنامية في القطاع الفلاحي، مدفوعة بجهود استصلاح الأراضي غير المستغلة، وتسوية وضعية العقار الفلاحي، وتشجيع المستثمرين والفلاحين على توسيع رقعة النشاط الزراعي، في مسار يندرج ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الإنتاج الوطني ودعم الأمن الغذائي.
وتبرز ولاية البويرة، على غرار العديد من ولايات الوطن، كنموذج ميداني يعكس هذا التحول، حيث تحولت مساحات كانت مهملة أو محدودة الإنتاج إلى مستثمرات وحقول وبساتين منتجة، بفضل استصلاح الأراضي وتوجيهها نحو زراعات متنوعة تشمل الحبوب والأشجار المثمرة والزيتون والكروم والتين والرمان.
ويعكس هذا الواقع الميداني توجهاً أوسع نحو إعادة إدماج العقار الفلاحي في الدورة الاقتصادية والإنتاجية، من خلال الجمع بين استغلال الإمكانات المتاحة، وتحسين المردودية، وتسوية الوضعيات القانونية للأراضي، وتوفير الظروف الملائمة أمام المستثمرين لمواصلة مشاريعهم وتوسيعها.
في عدد من المناطق الفلاحية بولاية البويرة، تتغير ملامح الأراضي تدريجياً، إذ بدأت المساحات التي كانت تغطيها الأحراش أو ظلت لسنوات محدودة الاستغلال تستعيد مكانتها ضمن الدورة الفلاحية، لتتحول إلى حقول للحبوب وبساتين للأشجار المثمرة ومزارع للزيتون والكروم وغيرها من الزراعات.
ويؤكد فلاحون ومستثمرون أن استصلاح الأرض وتهيئتها يمثلان المرحلة الأولى في مسار طويل نحو تحويل العقار إلى مشروع منتج، خاصة عندما تترافق العملية مع توفير المدخلات الضرورية والمرافقة التقنية والإدارية.
ويشير أحد الفلاحين إلى أن علاقته بالأرض تعود إلى سنوات طويلة، غير أن تحسن الظروف والإمكانات المتاحة سمح بتوسيع النشاط ورفع المساحات المستغلة، بعدما كانت بعض القطع لا تحقق سوى إنتاج محدود.
كما لم يقتصر استصلاح الأراضي على زراعة الحبوب، حيث اختار مستثمرون توجيه مساحات كانت تبدو في السابق أشبه بالغابات والأحراش نحو مشاريع غرس متنوعة، شملت الزيتون والكروم والتين والرمان، بما منح تلك الأراضي قيمة إنتاجية واقتصادية جديدة.
• الحبوب في صلب مساعي رفع الإنتاج الوطني
وتحتل شعبة الحبوب مكانة محورية في استراتيجية تطوير الإنتاج الفلاحي، بالنظر إلى أهميتها في توفير المنتجات الأساسية وتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي.
وتقدم البويرة في هذا المجال مثالاً على النشاط الذي تعرفه المناطق المنتجة للحبوب، حيث أوضح عز الدين مقدم، رئيس الفرع الفلاحي بدائرة الأخضرية، أن الأراضي المستغلة تعرف نشاطاً متنوعاً يجمع بين زراعة الأشجار المثمرة وشعبة الحبوب.
وأكد أن منتجي الحبوب يستفيدون من مختلف التسهيلات والمزايا الموجهة لدعم النشاط، لاسيما ما تعلق بالمدخلات الفلاحية، وعلى رأسها الأسمدة والبذور المحسنة، بما يسمح بتحسين مردودية الهكتار والرفع من حجم الإنتاج.
وتبقى جودة المدخلات واحترام المسارات التقنية ومواعيد الزرع والتسميد والمتابعة المستمرة للمحاصيل من العوامل الأساسية التي تحدد مستوى المردودية، إلى جانب توسيع المساحات المستغلة وتحسين طرق العمل.
• تسوية العقار.. مفتاح لاستقرار الاستثمار
ولا يتوقف تطوير القطاع الفلاحي عند استصلاح الأرض وزراعتها، بل يرتبط كذلك بتوفير إطار قانوني وإداري مستقر يسمح للفلاح والمستثمر بالتخطيط لمشاريعه على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، تكشف عمليات تسوية العقار الفلاحي عبر مختلف ولايات الوطن عن توجه نحو معالجة الوضعيات العالقة، وتحرير العقود، وتمكين المستفيدين من أطر قانونية أكثر وضوحاً لممارسة نشاطهم واستثمار أراضيهم.
وفي ولاية البويرة، كشفت الوالي حورية عقون عن حصيلة هامة في هذا المجال، تمثلت في تحرير نحو 2700 عقد امتياز لفائدة حوالي 898 مستثمرة فلاحية جماعية وفردية، على مساحة إجمالية تقارب 38 ألف هكتار.
كما شملت عمليات التسوية إشهار 497 عقد امتياز في إطار تعديل الوضعيات وإنهاء عدد من النزاعات والمشاكل التي كانت تعيق استغلال بعض الأراضي.
وتكتسي هذه العملية أهمية كبيرة بالنسبة للفلاحين والمستثمرين، باعتبار أن استقرار الوضعية القانونية للعقار يشكل عاملاً أساسياً في تشجيع الاستثمار، خاصة بالنسبة للمشاريع التي تتطلب سنوات من العمل والاستثمار قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج الكامل.
ويبرز تنوع الزراعات كأحد أهم مظاهر التحول الذي تعرفه الأراضي المستصلحة، سواء في البويرة أو في مناطق أخرى من الوطن.
فغرس الزيتون، على سبيل المثال، يمثل استثماراً طويل الأمد يمكن أن يوفر دخلاً مستداماً للفلاح، ويدعم في الوقت نفسه نشاطات تحويلية مرتبطة بإنتاج زيت الزيتون ومشتقاته.
كما تساهم زراعة التين والرمان والكروم ومختلف الأشجار المثمرة في تنويع الإنتاج وتوفير منتجات ذات قيمة غذائية واقتصادية، إلى جانب إمكانية تطوير سلاسل متكاملة للتحويل والتوضيب والتسويق.
ويمنح هذا التنوع المنتجين قدرة أكبر على مواجهة تقلبات الأسواق والظروف المناخية، كما يسمح باستغلال أفضل لخصوصيات كل منطقة وطبيعة تربتها ومناخها ومواردها المائية.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..