تتجه العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وإسبانيا إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار الصناعي والشراكة التكنولوجية، وذلك بالتزامن مع الزيارة الرسمية لرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر، مرفوقًا بوفد يضم كبار مسؤولي الشركات الإسبانية. وبينما تشمل المباحثات عدة ملفات اقتصادية، يبرز قطاعا تحلية مياه البحر وإدارة الموارد المائية، إلى جانب الصناعات الغذائية، باعتبارهما من أهم المجالات التي يسعى الطرفان إلى تطويرها خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه الزيارة في سياق انتعاش العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث استعادت المبادلات التجارية نسقها التصاعدي، في وقت تواصل فيه الجزائر تنفيذ برامج استثمارية ضخمة لتعزيز أمنها المائي والغذائي، وهو ما يجعل الخبرة الإسبانية محل اهتمام في عدد من المشاريع الاستراتيجية.
ويعد ملف تحلية مياه البحر أبرز محاور التعاون المنتظر بين الجزائر وإسبانيا، بالنظر إلى التجربة الإسبانية الرائدة عالميًا في تصميم وإنجاز واستغلال محطات التحلية، خاصة في ظل الظروف المناخية المشابهة التي تجمع البلدين على الضفة الغربية للمتوسط.
غير أن الرؤية الجزائرية اليوم تتجاوز الاستفادة من الخبرة التقنية أو إنجاز المحطات، إذ تتجه نحو بناء صناعة وطنية متخصصة في هذا المجال، عبر تشجيع الشراكات الصناعية التي تسمح بتصنيع تجهيزات ومكونات محطات تحلية مياه البحر داخل الجزائر.
ويهدف هذا التوجه إلى رفع نسب الإدماج الصناعي المحلي، وتقليص فاتورة استيراد المعدات، مع نقل التكنولوجيا والخبرة إلى المؤسسات الوطنية، بما يتيح تكوين قاعدة صناعية قادرة مستقبلاً على تلبية احتياجات السوق المحلية، بل والتوجه نحو التصدير إلى الأسواق الإفريقية.
كما ينتظر أن يشمل التعاون تطوير حلول مبتكرة في مجال إدارة الموارد المائية، وتحسين كفاءة شبكات توزيع المياه، وتقنيات إعادة استعمال المياه المعالجة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي في تسيير المنشآت المائية، وهي مجالات تمتلك فيها الشركات الإسبانية خبرة معتبرة.
ولا يقل قطاع الصناعات الغذائية أهمية عن ملف المياه، إذ تسعى الجزائر إلى استقطاب استثمارات أجنبية قادرة على مرافقة التحول الذي يشهده القطاع الفلاحي، من خلال تعزيز قدرات التحويل الصناعي للمنتجات الزراعية، ورفع القيمة المضافة للإنتاج المحلي.
وتشكل إسبانيا أحد أهم الشركاء الأوروبيين القادرين على نقل خبرتها في الصناعات الغذائية، سواء في مجال تحويل المنتجات الفلاحية، أو تصنيع المعدات الصناعية الخاصة بالغذاء، أو تقنيات الحفظ والتبريد والتوضيب وسلاسل الإمداد.
ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه الجزائر على تقليص وارداتها الغذائية، وتشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية المرتبطة بالإنتاج الفلاحي، بما يسمح بخلق مناصب شغل جديدة، وتحسين تنافسية المنتجات الجزائرية، وفتح آفاق أوسع للتصدير.
وتؤكد المؤشرات أن الجزائر تتجه إلى اعتماد نموذج جديد في علاقاتها الاقتصادية مع الشركاء الأجانب، يقوم على الاستثمار المنتج بدل الاكتفاء بعقود الإنجاز أو التوريد.
وفي هذا الإطار، تركز السلطات الجزائرية على نقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات الوطنية، وإنشاء وحدات إنتاج محلية، ورفع نسبة الإدماج الصناعي في مختلف المشاريع، خاصة في القطاعات ذات الأولوية مثل تحلية مياه البحر والصناعات الغذائية.
ومن شأن هذه المقاربة أن تتيح تحويل التعاون الجزائري الإسباني من علاقة تجارية تقليدية إلى شراكة صناعية طويلة المدى، تساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي، ودعم التصنيع المحلي، وتطوير النسيج الصناعي الوطني، بما ينسجم مع الاستراتيجية الجزائرية الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتقليص التبعية للواردات.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..