عبر آليات جديدة تتعلق بمراجعة قوانين التوجيه الفلاحي والترخيص باستيراد معدات الحصاد والزرع، تتجه الجزائر نحو نموذج زراعي جديد يربط بين الإنتاج، التصنيع، والتصدير بينما سيتصدر قائمة المناقشات خلال الأسابيع المقبلة مشروع القانون الجديد حول التوجيه الفلاحي.
شدد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال اجتماع لمجلس الوزراء، أول أمس على ضرورة التحضير لمشروع قانون جديد حول التوجيه الفلاحي لتنظيم نهائي للقطاع وفق نظرة استشرافية يشارك فيها المتخصصون.
وفيما يتعلق بمشروع التوجيه الفلاحي أمر الرئيس وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري بالتنسيق مع وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، لاستيراد آلات الحصاد ومعدات الزرع فورا، مع إمكانية استيراد الأقل
من خمس سنوات موجهة لحصد محاصيل الذرة والبذور الزيتية بما فيها عباد الشمس.
وتعليقا على مخرجات اجتماع مجلس الوزراء لفت الخبير الفلاحي ورئيس المنظمة الجزائرية للفلاحين المنتجين والمحولين، مبارك بن جدي لـ”الفلاحية ديزاد” إلى “التأكيد على أن الفلاحة هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني، موجها سلسلة من القرارات الجريئة التي يمكن اعتبارها بداية لمرحلة جديدة في تسيير هذا القطاع الحيوي .”
القرار الأبرز، يضيف مبارك بن جدي: “تمثل في تكليف الحكومة بتحضير مشروع قانون للتوجيه الفلاحي، وهو قانون ينتظر أن يرسم ملامح الزراعة الجزائرية خلال العقود المقبلة، فبعد سنوات من التشتت التنظيمي، تتجه الدولة نحو ضبط الرؤية الاستراتيجية للفلاحة، بمشاركة الخبراء والمختصين بما يضمن الانتقال من منطق الدعم المؤقت، إلى منظور اقتصادي منتج يقوم على الأمن الغذائي والتصدير. ”
تسريع وتيرة التحديث الزراعي عقب قرار السماح باستيراد آلات الحصاد والزرع
وعاد الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة في تصريح لـ”الفلاحية ديزاد”، إلى التذكير بإصدار رئيس الجمهورية أوامر لوزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري للتنسيق مع وزير التجارة لغرض استيراد آلات الحصاد والزرع والبذر في أقرب وقت، وبكميات تتجاوب مع البرنامج الفلاحي الجزائري، خاصة فيما يتعلق بالآلات التي تستعمل للحصاد وزرع وبذر الذرة الصفراء والبذور الزيتية وهو ما يسمح بتلبية حاجيات المزارعين والمستثمرين في هذا المجال.”
من جهة أخرى يرى مبارك بن جدي أن قرار السماح باستيراد آلات الحصاد والزرع حتى المستعملة منها التي لا يتجاوز عمرها خمس سنوات، يعد مؤشرا على رغبة الدولة في تسريع وتيرة التحديث الميداني، فالجزائر التي تتوفر على ملايين الهكتارات من الأراضي الصالحة للزراعة، لا يمكنها تحقيق القفزة المنتظرة دون تحديث وسائل الإنتاج ورفع المردوديات. ”
العملية تشمل بالخصوص، يضيف المتحدث: “محاصيل الذرة والبذور الزيتية وعباد الشمس وهي من المواد التي تشكل أساس الصناعات الغذائية الوطنية.”
لكن الأهم في هذا المسار يؤكد بن جدي “أن هذه القرارات تأتي في سياق أوسع في الإصلاحات الفلاحية أهمها ربط المستثمرات الفلاحية الكبرى بالكهرباء الفلاحية.”
وهو نفس ما يراه الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة الذي يؤكد أن من أهم النقاط بالنسبة لقرارات مجلس الوزراء الذي عقد أول أمس، هي ربط المستثمرات الفلاحية بالكهرباء والربط بين الشمال والجنوب، وفي حالة ما إذا كان هنالك فائض في الكهرباء فيجب التفكير في تصديره إما لإفريقيا أو أوروبا.
وهذا لأن الكهرباء ضرورية “إذا ما أرادت الحكومة تحقيق فلاحة عصرية قائمة على إدماج التقنيات الحديثة في الزراعة، إذ لا يمكن أن نتحدث عن فلاحة عصرية إذا لم يتم ربط المستثمرات الفلاحية بالكهرباء وفتح المسالك لتسهيل التنقل، إضافة لتطوير مشاريع التخزين.”
كما ثمن الخبير الفلاحي مبارك بن جدي “قرارات تحسين الولوج إلى القروض، عبر صيغ مثل قرض الرفيق دعم الفلاحين المتعثرين في تسديد ديونهم وفق آليات واقعية تراعي القدرة الإنتاجية.”
هذه المؤشرات، كما يقول: “تظهر أن الجزائر تتجه نحو نموذج فلاحي جديد يربط بين الإنتاج، التصنيع، والتصدير.
ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة بحاجة إلى اهتمام بالكفاءات التقنية في بعض الولايات، ومراجعة منظومة التكوين، وأيضا البنية التحتية اللوجستية لتسويق المنتوجات.
إن نجاح “الثورة الفلاحية” حسبما يرى مبارك بن جدي، مرهون أيضا بالتنسيق بين الإدارات لإحداث تواففق أكبر بين الفلاحين والمستثمرين، فالقوانين تحتاج إلى تحولات جديدة في التسيير.
ويشدد بن جدي مبارك في النهاية على أن قرارات اليوم هي إعلان نية صادقة لتصحيح مسار الفلاحة الجزائرية ومرافقتها بإجراءات تنفيذية فعالة واليوم نحن أمام مرحلة تعيد للفلاح الجزائري مكانته كصانع للأمن الغذائي الوطني وتفتح الباب أمام زراعة عصرية تنافس الدول الكبرى.
القانون التوجيهي رقم 08-16: بين الماضي والحاجة إلى التحديث
من الناحية القانونية، يظل القانون التوجيهي رقم 08-16 أساس تنظيم القطاع الفلاحي في الجزائر منذ سنوات. ومع أنه ساهم في وضع بعض الأطر التنظيمية، إلا أنه لم يعد كافياً لمواكبة التحديات الحديثة، خاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيا، والاستثمار، والتنمية المستدامة.
ويرى الخبراء أن القانون الجديد، الذي سيحل محل 08-16، يجب أن يكون أكثر فعالية، ويشجع على فلاحة حديثة تعتمد على الإنتاجية العالية، والتسويق، والتصدير، وإدماج التقنيات الحديثة، بما يضع الجزائر على خريطة المنافسة الزراعية الدولية. ويأمل المزارعون أن يسهم القانون الجديد في إزالة العقبات البيروقراطية، وتسهيل الإجراءات، وضمان حقوق المستثمرين والفلاحين على حد سواء.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..