احتضنت جامعة سكيكدة أشغال الورشة الإقليمية الثانية لمجموعة المزارعين في إطار مشروع “واترمولون” الممول ضمن برنامج “بريما” (القسم الأول)، في خطوة جديدة تعكس الدور المتنامي للبحث العلمي في تقديم حلول مبتكرة لمواجهة تحديات الأمن الغذائي والتغيرات المناخية، وتحويل نتائج الدراسات والأبحاث إلى تطبيقات عملية قابلة للتجسيد داخل المستثمرات الفلاحية.
وشهدت الورشة مشاركة 54 فاعلًا من مختلف مكونات القطاع، من بينهم 47 مشاركًا حضوريًا و7 مشاركين عن بعد، يمثلون خمس مناطق فلاحية عبر الوطن، إلى جانب باحثين وخبراء ومزارعين وممثلي هيئات ومؤسسات مهتمة بتطوير الزراعة المستدامة، في إطار تعزيز التعاون بين الجامعة والمحيط الاقتصادي والفلاحي.
ويعد مشروع “واترمولون” من المشاريع البحثية الدولية التي تسعى إلى تطوير نماذج إنتاج زراعي أكثر كفاءة في استغلال الموارد الطبيعية، خاصة المياه، من خلال اعتماد تقنيات حديثة قادرة على رفع مردودية الإنتاج وتقليل الأثر البيئي للنشاط الفلاحي، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة.
شكلت الورشة فرصة لعرض التقدم الذي أحرزه المشروع في تطوير مجموعة من الحلول العلمية الموجهة لدعم الفلاحة المستدامة، حيث ركزت الأشغال على ثلاثة محاور رئيسية تمثل الركائز الأساسية للنموذج الذي يعمل عليه المشروع.
ويتعلق المحور الأول بتطوير نظام مبتكر للتناوب الزراعي بين محصول السورغوم والأعلاف الشتوية، بما يسمح بتحسين خصوبة التربة، ورفع إنتاجية الأراضي الزراعية، وتقليل استنزاف الموارد الطبيعية.
أما المحور الثاني، فيرتكز على نظام ذكي لحصاد مياه الأمطار يعتمد على جمع المياه وتخزينها وإعادة توظيفها في أنظمة الري الدقيق، بما يساهم في ترشيد استهلاك المياه وتحسين كفاءة استخدامها، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتزايد الضغوط على الموارد المائية.
في حين يركز المحور الثالث على إدماج تربية أسماك الكارب الشائع ضمن نموذج للإنتاج الزراعي الدائري، بما يحقق تكاملًا بين النشاطين الزراعي والسمكي، ويعزز الاستغلال الأمثل للموارد مع تقليص النفايات وتحقيق قيمة مضافة أعلى.
ولم تقتصر الورشة على تقديم النتائج العلمية، بل تحولت إلى فضاء للحوار المباشر بين الباحثين والمزارعين والفاعلين في القطاع الفلاحي، حيث ناقش المشاركون مختلف الجوانب التقنية المتعلقة بتطبيق هذه الحلول في الميدان، وقدموا اقتراحات عملية تهدف إلى تحسين النموذج التجريبي وتعزيز قابليته للتكيف مع خصوصيات المناطق الفلاحية الجزائرية.
كما تضمن البرنامج عروضًا تطبيقية مكنت المشاركين من الاطلاع على مختلف مراحل تصميم وتركيب وتشغيل النموذج الذي يطوره المشروع، الأمر الذي يسهم في تسهيل نقل التكنولوجيا إلى المزارعين، وتشجيع تبني الممارسات الزراعية الحديثة القائمة على الاستخدام العقلاني للموارد الطبيعية، وخاصة المياه.
ويرى القائمون على المشروع أن إشراك المزارعين في مختلف مراحل تطوير الحلول يمثل عنصرًا أساسيًا لضمان نجاحها ميدانيًا، باعتبارهم المستفيد الأول من نتائج البحث العلمي، وهو ما يعزز فرص تبني الابتكارات الزراعية وتحويلها إلى ممارسات إنتاجية مستدامة.
تقييم الابتكار ودعم الزراعة الدائرية
وفي ختام الورشة، شارك جميع الحاضرين في الاستبيان الخاص بالمشروع، والذي سيستخدم في تقييم مؤشرات الأداء، وتحليل مستوى تقبل المزارعين للتقنيات الجديدة، ودراسة العوامل المؤثرة في تبني الابتكار، إضافة إلى قياس مدى استدامة أنظمة الزراعة الدائرية التي يعمل مشروع “واترمولون” على تطويرها.
ويؤكد هذا النشاط أهمية تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية والفلاحين، بما يسمح بتحويل مخرجات البحث العلمي إلى مشاريع تطبيقية قادرة على معالجة الإشكالات الحقيقية التي تواجه القطاع الفلاحي، وعلى رأسها ندرة المياه، وتدهور التربة، وتأثيرات التغيرات المناخية.
كما يعكس المشروع توجهًا متزايدًا نحو بناء فلاحة ذكية ومستدامة تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة، وتوظف نتائج البحث العلمي في خدمة التنمية الاقتصادية، بما يساهم في تعزيز الأمن الغذائي الوطني، وترشيد استخدام الموارد الطبيعية، ورفع تنافسية القطاع الفلاحي الجزائري على المدى الطويل.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..