تُعد ملوحة التربة من أبرز المشكلات التي تهدد الإنتاج الزراعي، غير أن التعامل معها لا ينبغي أن يتم بطريقة عشوائية، لأن كلمة «الأملاح» تشمل أنواعًا مختلفة، ولكل منها تأثيره وطريقة معالجته. لذلك، فإن الخطوة الأولى قبل استعمال أي مادة أو «طارد للأملاح» هي إجراء تحليل للتربة ومياه الري، وتحديد نوع الأملاح وتركيزها، ومعرفة ما إذا كانت المشكلة مرتبطة بالملوحة فقط أم بارتفاع نسبة الصوديوم أو بوجود كربونات وبيكربونات وغيرها.
فعندما تكون المشكلة الأساسية هي الصوديوم، يمكن أن يكون الكالسيوم عنصرًا مهمًا في المعالجة، خصوصًا عند استخدام مصادر مناسبة مثل الجبس الزراعي. إذ يساعد الكالسيوم على إحلال الصوديوم المتبادل على معقد التربة، وبعد ذلك يمكن التخلص من الصوديوم من منطقة الجذور بواسطة مياه الري والصرف الجيد. كما يمكن أن تساهم المادة العضوية في تحسين بنية التربة ورفع قدرتها على الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية.
أما إذا كانت المشكلة مرتبطة بارتفاع كربونات الكالسيوم في التربة، فإن الوضع يختلف؛ فوجود الكالسيوم بكميات كبيرة لا يعني بالضرورة أنه متاح للنبات بسهولة، لأن جزءًا منه يكون مرتبطًا في صور قليلة الذوبان. وفي هذه الحالة يمكن أن تساعد الأحماض المناسبة، مثل حمض النيتريك، على إذابة جزء من الكربونات وتحويلها إلى صورة أكثر قابلية للاستفادة، مع ضرورة استعمالها وفق نتائج التحليل وتوصيات المختصين، لأن الاستخدام العشوائي للأحماض قد يؤدي إلى أضرار للتربة أو النبات أو شبكة الري.
ويُعد قياس التوصيل الكهربائي لمستخلص عجينة التربة المشبعة من أهم المؤشرات لتقييم الملوحة، إلى جانب فحص الصوديوم المتبادل ونسبة الصوديوم المتبادل، وكذلك البورون والعناصر الأخرى. ولا يمكن اعتماد رقم واحد كحد مناسب لجميع المحاصيل، لأن قدرة النباتات على تحمل الملوحة تختلف من محصول إلى آخر.
وفي مياه الري، يجب كذلك تحليل الكالسيوم والمغنيسيوم والصوديوم والكلوريد والكبريتات والبيكربونات والبورون، إضافة إلى قياس التوصيل الكهربائي ونسبة امتزاز الصوديوم. فالماء الذي يبدو صالحًا للري من حيث الملوحة العامة قد يسبب مشكلات على المدى الطويل إذا احتوى على مستويات مرتفعة من الصوديوم أو البيكربونات.
ومن أهم الوسائل المستخدمة في إدارة الأراضي المتأثرة بالأملاح الجبس الزراعي، خصوصًا في الأراضي الصودية، لكن كمية الجبس لا ينبغي تحديدها اعتمادًا على درجة الملوحة وحدها؛ إذ تتوقف الجرعة المناسبة على خصائص التربة، ونسبة الصوديوم المتبادل، وعمق المشكلة، ونوعية الجبس، ونظام الري والصرف. وبعد إضافة مصدر الكالسيوم، يبقى الغسل بمياه ذات نوعية مناسبة والصرف الجيد عنصرين أساسيين للتخلص من الأملاح من منطقة الجذور.
كما تلعب العمليات الزراعية دورًا مهمًا في استعادة بنية التربة. فالحرث المناسب، وإضافة المادة العضوية، وتحسين الصرف، وتجنب الإفراط في الري أو استخدام مياه رديئة النوعية، كلها إجراءات تساعد على الحد من تراكم الأملاح وتحسين نمو الجذور.
وتُستخدم في بعض برامج إدارة الملوحة الأحماض أو المركبات المحتوية على الأحماض العضوية والكربوكسيلية، بهدف تحسين ذوبان بعض العناصر أو معالجة مشاكل مياه الري، لكن فعاليتها تعتمد على طبيعة التربة والماء ونوع المشكلة. لذلك لا ينبغي التعامل مع «معالجات الأملاح» التجارية باعتبارها حلاً واحدًا يصلح لجميع الأراضي.
والقاعدة الأساسية هي أن الملوحة ليست مرضًا واحدًا له علاج واحد. فقد تكون المشكلة ارتفاعًا في الأملاح الذائبة، أو صودية، أو قلوية، أو تراكمًا لنوع معين من العناصر، وقد تجتمع أكثر من مشكلة في الحقل نفسه. ولهذا فإن العلاج الناجح يبدأ دائمًا بالتحليل، ثم تحديد السبب، ثم اختيار المادة والجرعة وطريقة التطبيق المناسبة، مع توفير الري والصرف الكافيين.
وفي النهاية، فإن الهدف الحقيقي من معالجة الأملاح ليس مجرد «طرد الملح» من التربة، وإنما إعادة التوازن إلى منطقة الجذور، وتحسين بنية التربة، وتوفير العناصر في صورة ميسرة، ومنع عودة الأملاح إلى منطقة الجذور. لذلك يبقى التحليل المخبري للتربة ومياه الري والمتابعة الدورية أفضل وسيلة لاتخاذ القرار الصحيح وحماية الإنتاج الزراعي.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..