تُعد ملوحة التربة من أخطر المشكلات التي تواجه الإنتاج الزراعي، إذ تؤثر بشكل مباشر على نمو النباتات وإنتاجيتها، وغالبًا ما تتطور بصمت دون أن ينتبه إليها الفلاح إلا بعد ظهور أعراض واضحة على المحصول. ويكمن خطر الملوحة في أنها تمنع الجذور من امتصاص الماء والعناصر الغذائية، حتى وإن كانت التربة رطبة، وهو ما يؤدي إلى ضعف النمو وتراجع الإنتاج، وقد يصل الأمر إلى موت النباتات في الحالات الشديدة.
وتنتج ملوحة التربة عن عدة أسباب، من بينها الري بمياه مالحة، وضعف شبكات الصرف، وارتفاع مستوى المياه الجوفية، والإفراط في استخدام الأسمدة الكيميائية، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة التي تزيد من تبخر المياه وتراكم الأملاح على سطح التربة.
ومن أبرز العلامات التي تدل على إصابة التربة بالملوحة احتراق حواف الأوراق، حيث تتحول أطراف الأوراق، خاصة القديمة منها، إلى اللون البني وتصبح جافة وكأنها تعرضت للحرق، وهي من أولى المؤشرات التي تستوجب التدخل السريع. كما يظهر ما يعرف بـالذبول الكاذب، إذ يبدو النبات ذابلًا خلال ساعات الظهيرة رغم توفر الرطوبة في التربة، بسبب عجز الجذور عن امتصاص الماء نتيجة ارتفاع تركيز الأملاح. ومن العلامات الواضحة أيضًا ظهور طبقة بيضاء من الأملاح على سطح التربة أو حول قاعدة الساق، وهي دليل على تراكم الأملاح بعد تبخر مياه الري.
وتختلف النباتات في قدرتها على تحمل الملوحة، فهناك محاصيل شديدة الحساسية مثل الفراولة، والبصل، والفاصوليا، والحمضيات، التي تتأثر بسرعة حتى عند ارتفاع الملوحة بدرجات بسيطة، في حين تتمتع محاصيل أخرى مثل الزيتون والنخيل بقدرة أكبر على التحمل، غير أن استمرار الملوحة يؤدي مع مرور الوقت إلى انخفاض الإنتاج وجودة الثمار، وقد تصل الخسائر في بعض الحالات إلى نحو 50 بالمائة.
وللتقليل من آثار الملوحة، ينصح الخبراء باتباع عدد من الإجراءات العملية، أهمها غسل التربة من خلال إجراء رية غزيرة بمياه ذات نوعية جيدة تسمح بدفع الأملاح إلى أسفل منطقة انتشار الجذور، مع ضرورة توفر نظام صرف فعال لتصريف المياه الزائدة. كما يُفضل التوقف مؤقتًا عن إضافة الأسمدة الكيميائية، خاصة الأسمدة النيتروجينية والبوتاسية، لأنها قد تزيد من تركيز الأملاح في التربة خلال فترة الأزمة. وفي الأراضي الطينية، ينصح بإضافة الجبس الزراعي بمعدل يقارب 2 كغ لكل متر مربع، حيث يعمل الكالسيوم الموجود فيه على إحلال الصوديوم الضار وتحسين بناء التربة وزيادة نفاذيتها للماء.
وللوقاية من هذه المشكلة، ينبغي إجراء تحليل دوري للتربة ومياه الري، واعتماد برامج تسميد متوازنة، وتحسين شبكات الصرف، وتجنب الإفراط في الري أو التسميد، مع اختيار الأصناف الأكثر تحملاً للملوحة في المناطق المعروفة بارتفاع نسب الأملاح.
ويبقى من المهم أن يدرك الفلاح أن ملوحة التربة قد تشبه أعراض العطش، لكنها تختلف تمامًا في العلاج؛ فزيادة الملوحة لا تعالج بحرمان النبات من الماء، وإنما تعتمد على تحسين الصرف، وغسل التربة، والإدارة السليمة للري والتسميد، وهي إجراءات كفيلة بالحفاظ على خصوبة الأرض وضمان استدامة الإنتاج الزراعي.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..