حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

شهدت ولاية أدرار، الانطلاق الرسمي لحملة الحصاد والدرس للموسم الفلاحي الحالي، وسط توقعات بإنتاج وطني معتبر يتجاوز 1.7 مليون قنطار من القمح، في مؤشر يعكس التطور المتسارع الذي يعرفه القطاع الفلاحي في مناطق الجنوب الجزائري، خصوصًا في مجال الزراعات الاستراتيجية.
وجاءت هذه الانطلاقة من إحدى المستثمرات الفلاحية بالمحيط الفلاحي ببلدية فنوغيل جنوب الولاية، في أجواء تنظيمية محكمة تعكس حجم التحضير المسبق للعملية، وتعبئة مختلف الفاعلين لضمان نجاح الموسم.

مساحات واسعة وإنتاجية مرتفعة في الزراعات الكبرى

تُقدَّر المساحة الإجمالية المخصصة لزراعة القمح في ولاية أدرار خلال هذا الموسم بـ 38 ألف هكتار، موزعة عبر مختلف المحيطات الفلاحية، وهي مساحات تعكس التوسع التدريجي في الاستثمار الفلاحي بالجنوب، خاصة في ظل دعم الدولة للزراعات الاستراتيجية.
وتشير التوقعات إلى تسجيل مردود يصل إلى 80 قنطارًا في الهكتار الواحد، وهو معدل يُعتبر مرتفعًا مقارنة بالسنوات السابقة، ويعكس تحسنًا في التقنيات الزراعية المستخدمة، إلى جانب الظروف المناخية الملائمة نسبيًا خلال الموسم الحالي.
ويرى متابعون أن هذا الأداء الإنتاجي يعزز مكانة أدرار كأحد الأقطاب الفلاحية الصاعدة في الجزائر، خاصة في مجال إنتاج الحبوب.

تعبئة ميدانية واسعة لإنجاح عملية الحصاد

أكد والي ولاية أدرار، فضيل ضويفي، خلال إعطاء إشارة انطلاق الحملة، أنه تم تسخير إمكانيات مادية وبشرية معتبرة لضمان السير الحسن لعملية الحصاد، حيث تم توفير أكثر من 140 آلة حصاد و200 شاحنة مخصصة لنقل المحصول نحو مراكز التخزين.
وتندرج هذه التعبئة في إطار مقاربة استباقية تهدف إلى تفادي أي اختلالات خلال فترة الحصاد، وضمان جمع المحاصيل في أفضل الظروف التقنية والتنظيمية، بما يحافظ على جودة الإنتاج ويقلل من الخسائر المحتملة.
كما شدد الوالي على أهمية التنسيق بين مختلف المصالح المعنية لضمان نجاح هذه المرحلة الحساسة من الموسم الفلاحي.

الحماية المدنية في الميدان لتأمين الموسم الفلاحي

في سياق متصل، تم تجنيد مصالح الحماية المدنية ميدانيًا لمرافقة عملية الحصاد، وذلك في إطار خطة تهدف إلى حماية المحاصيل من مخاطر الحرائق، التي تُعد من أبرز التحديات خلال موسم الجني، خاصة في المناطق ذات الطابع الصحراوي.
وتشمل هذه الإجراءات المراقبة المستمرة للمحيطات الفلاحية، والتدخل السريع عند الحاجة، إضافة إلى توعية الفلاحين بطرق الوقاية من الحرائق، لضمان حماية المنتوج الفلاحي وتفادي الخسائر.

مكننة متطورة لتعزيز الإنتاج الفلاحي في الجنوب

عرف الموسم الفلاحي الحالي إدخال آليات جديدة في مجال المكننة، من خلال تكفل مؤسسة “آغرودرايف”، المستحدثة كفرع تابع لمجمع “أغروديف”، بتوفير آلات الحصاد لفائدة المستثمرات الفلاحية في ولاية أدرار وباقي ولايات الجنوب.
ويهدف هذا التوجه إلى دعم عصرنة القطاع الفلاحي، وتخفيف الاعتماد على الطرق التقليدية في الحصاد، بما يسمح برفع الإنتاجية وتحسين جودة العمليات الفلاحية.
وأكد المدير العام للمؤسسة، درقاوي بن يوسف، أن هذه الخطوة تندرج ضمن استراتيجية وطنية لتعزيز الاستثمار الفلاحي في المناطق الجنوبية، من خلال توفير تجهيزات حديثة ومرافقة تقنية مستمرة للفلاحين.

دعم لوجستي وتنسيق مؤسساتي لضمان نجاح العملية

من جهته، أوضح مدير تعاونية الحبوب والبقول الجافة بأدرار، محمد الطاهر بلمير، أن الديوان الوطني للحبوب، بالتنسيق مع مؤسسة “آغرودرايف”، قام بتوفير كل الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة لمرافقة عملية الحصاد.
وأشار إلى أن الحملة تتميز هذه السنة بوجود عشرة مراكز جوارية مخصصة لتخزين الحبوب، موزعة بالقرب من المحيطات الفلاحية، وهو ما يسمح بتقليص مسافات النقل وضمان تخزين المحصول في ظروف ملائمة.
ويُعد هذا التنظيم اللوجستي عنصرًا أساسيًا في تحسين فعالية سلسلة الإنتاج، من الحقل إلى التخزين، وتقليل الخسائر بعد الحصاد.
وقامت شركة “أغرودرايف” مؤخرا، يشير المصدر، باقتناء 331 آلة حصاد و1800 جرار، في خطوة نوعية تهدف إلى تعزيز الحظيرة الوطنية للعتاد الفلاحي وضمان تغطية أفضل لاحتياجات الموسم، خاصة في شعبة الحبوب.
في ذات الإطار، وحرصا على ضمان النجاعة في استغلال هذا العتاد، بادرت الوزارة ولأول مرة إلى تنظيم دورات تكوينية متخصصة في الممارسات الجيدة لقيادة وصيانة الحصادات، لفائدة المكلفين بالمكننة على مستوى مؤسسات القطاع العام والخواص، بالتنسيق مع قطاع التكوين والتعليم المهنيين، بهدف التحكم الأمثل في عمليات الحصاد والحد من ضياع المحصول، حسب المصدر ذاته.
وقد عرفت هذه الدورات، إقبالا “معتبرا” من طرف الفلاحين وسائقي الحصادات، إضافة إلى المكلفين بصيانة العتاد الفلاحي على مستوى تعاونيات الحبوب والبقول الجافة، حيث أشاد المشاركون بأهمية هذه المبادرة في رفع الكفاءة المهنية.

الجنوب الجزائري كخزان استراتيجي للحبوب

تعكس هذه المؤشرات المتنامية في ولاية أدرار توجهًا وطنيًا واضحًا نحو تحويل الجنوب الجزائري إلى خزان استراتيجي لإنتاج الحبوب، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتقليل التبعية للاستيراد.
ويُنظر إلى الاستثمارات الفلاحية في هذه المناطق على أنها ركيزة أساسية في تطوير الفلاحة الصحراوية، خاصة مع توفر الأراضي الشاسعة، وإمكانيات تعبئة المياه الجوفية، والدعم التقني المتزايد.
تؤكد التوقعات الإنتاجية المرتفعة في ولاية أدرار، التي تتجاوز 1.7 مليون قنطار من القمح، أن القطاع الفلاحي في الجنوب الجزائري يشهد تحولًا نوعيًا حقيقيًا، مدعومًا بالمكننة الحديثة والتنظيم المحكم.
وبين تعبئة الإمكانيات، ودعم المؤسسات، وتطور التقنيات الزراعية، تتجه أدرار نحو ترسيخ مكانتها كقطب فلاحي استراتيجي، قادر على المساهمة بشكل فعّال في تعزيز الأمن الغذائي الوطني خلال السنوات المقبلة.