حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في سياق دولي يتسم بتصاعد التحديات المناخية وتزايد الضغوط على الأمن الغذائي، يبرز البحث العلمي كأحد أهم أدوات إعادة تشكيل مستقبل الزراعة في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا الإطار، تمكن مركز البحث في الاقتصاد المطبق من أجل التنمية من حجز مكانة متقدمة عبر تمثيل الجزائر في مشروعين استراتيجيين ضمن برنامج التعاون الأوروبي “أنتيراغ ناكست ميد”، الموجه لدعم الابتكار وتعزيز صمود الأنظمة الزراعية أمام التغيرات المناخية.

هذا الاختيار يعكس تحولًا نوعيًا في دور المؤسسات البحثية الجزائرية، من مجرد مساهم تقني إلى فاعل علمي داخل شبكات تعاون أورو-متوسطية، حيث يتم إنتاج المعرفة بشكل مشترك لصياغة حلول مستقبلية مرتبطة بالغذاء والمناخ والتنمية المستدامة.
ينخرط “الكرياد”، عبر قسمه المختص في «الفلاحة، الإقليم والبيئة»، ضمن شبكة بحثية تضم دولًا متوسطية وأوروبية وعربية، من بينها الجزائر، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، الأردن وتونس، في إطار تعاون علمي يركز على التحديات البيئية المشتركة.
وتتمحور هذه المشاريع حول إشكاليات متصاعدة مثل تدهور التربة، شح الموارد المائية، وارتفاع آثار التغير المناخي على النظم الزراعية التقليدية، ما يستدعي الانتقال نحو نماذج إنتاج أكثر مرونة وكفاءة واستدامة.

 مشروع “كوسباماد”: استعادة التربة عبر حلول مجتمعية مبتكرة

يرتكز مشروع كوسباماد على مقاربة مبتكرة تقوم على إعادة إحياء التربة المتدهورة في المناطق الجافة من حوض المتوسط، من خلال اعتماد حلول قائمة على البذور والمشاركة المجتمعية.
ويشمل المشروع تطوير أنظمة جمع مياه الأمطار، وإنشاء بنوك للبذور، واعتماد تقنيات بيئية حديثة لإعادة تأهيل الأراضي الزراعية، بما يساهم في استعادة التوازن البيئي وتعزيز الإنتاج الزراعي المستدام.
كما يتوسع المشروع ليشمل إدماج أدوات الاقتصاد الأخضر، مثل إنتاج الفحم الحيوي (Biochar) وآليات أرصدة الكربون، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام اقتصاد زراعي منخفض الانبعاثات وأكثر استدامة.
ويولي المشروع اهتمامًا خاصًا بالمجتمعات الريفية، خاصة النساء والشباب، عبر برامج تكوين ومرافقة تهدف إلى تعزيز قدراتهم الإنتاجية ورفع مشاركتهم في التنمية المحلية.

مشروع “أبسكال”: إعادة صياغة إنتاج الطماطم في المتوسط

أما مشروع أبسكال فيركز على أحد أهم المحاصيل الزراعية في المنطقة، وهو محصول الطماطم، من خلال تطوير نماذج زراعية إيكولوجية مستدامة قادرة على مواجهة التقلبات المناخية.
ويعتمد المشروع على دمج الأصناف المحلية المتكيفة مع البيئة، مع تقنيات زراعية حديثة تقوم على حماية التنوع البيولوجي، واستعمال الكائنات الدقيقة النافعة للتربة، وتعزيز التوازن الطبيعي داخل الأنظمة الزراعية.
كما يتضمن المشروع برامج ميدانية لتكوين الفلاحين، وتبادل الخبرات بين الدول المشاركة، إلى جانب مرافقة تقنية مباشرة لاعتماد ممارسات زراعية أكثر استدامة وفعالية.
ترى الباحثة أمل بوزيد، مديرة قسم «الفلاحة، الإقليم والبيئة» في “الكرياد”، أن هذه المشاريع ستساهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن الغذائي في الجزائر، من خلال تحسين الإنتاج الزراعي، وترشيد استغلال الموارد الطبيعية، ورفع جودة المنتجات الفلاحية.
لكن الأثر الأهم، وفق هذا التوجه العلمي، يتمثل في إعادة بناء العلاقة بين المعرفة العلمية والسياسات الزراعية، بما يسمح بالانتقال من الحلول الظرفية إلى استراتيجيات طويلة المدى قائمة على الابتكار والاستدامة.
يعكس انخراط “الكرياد” في هذا البرنامج الأوروبي تحولًا مهمًا في موقع البحث العلمي الجزائري، الذي أصبح حاضرًا في شبكات إنتاج المعرفة الدولية، وليس فقط متلقيًا لها.
ويؤكد هذا المسار أن التحديات المناخية لم تعد محلية أو وطنية فقط، بل هي إقليمية مشتركة تتطلب حلولًا جماعية، يكون فيها العلم ركيزة أساسية لإعادة التوازن بين الإنسان والطبيعة.
في النهاية، يمثل هذا الانخراط خطوة استراتيجية تعزز حضور الجزائر داخل الفضاء العلمي المتوسطي، وتؤكد أن البحث العلمي الوطني بات قادرًا على المساهمة في صياغة حلول مستقبلية لقضايا الغذاء والمناخ.