افتُتحت بالعاصمة بقصر المعارض بالصنوبر البحري، فعاليات الطبعة الرابعة والعشرين من الصالون الدولي للفلاحة وتربية المواشي والصناعات الغذائية سيبسا فلاحة 2026، في أجواء وُصفت بالاستثنائية، عكست حجم الرهان الوطني المتزايد على إعادة هيكلة القطاع الفلاحي وتحويله إلى ركيزة أساسية في بناء الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية والتغيرات المناخية التي باتت تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي للدول.
وقد أشرف على افتتاح هذه التظاهرة وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، وليد ياسين، رفقة وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري علاء الدين فاروق، بحضور وفود رسمية رفيعة المستوى وخبراء ومهنيين ومتعاملين اقتصاديين من الجزائر وعدد من الدول المشاركة، ما يعكس البعد الدولي المتنامي لهذا الموعد الفلاحي الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة منصة مرجعية في منطقة المتوسط وإفريقيا.
وتنعقد هذه الطبعة تحت شعار:“تحديث الفلاحة، تعزيز السيادة الغذائية واستشراف المستقبل”، وهو شعار يعكس تحوّلًا عميقًا في فلسفة التنمية الفلاحية في الجزائر، من قطاع تقليدي يعتمد على الإنتاج الكلاسيكي، إلى قطاع استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن القومي الغذائي والاستقلالية الاقتصادية، ويعتمد على الابتكار والتكنولوجيا كركيزتين أساسيتين.
مشاركة دولية واسعة تعكس مكانة الجزائر الفلاحية الصاعدة
تشهد هذه الدورة من الصالون مشاركة دولية مكثفة تعكس المكانة المتنامية للجزائر كقطب فلاحي واعد في المنطقة، حيث تسجل التظاهرة حضور 850 عارضًا يمثلون مختلف الشعب الفلاحية والغذائية والصناعات التحويلية، 40 دولة من مختلف القارات، حوالي 250 علامة دولية ناشطة في القطاع، دول ضيف شرف: مصر، النيجر، موريتانيا، وتوقع استقبال أكثر من 40 ألف زائر من مهنيين، مستثمرين، وخبراء
ويعكس هذا الحضور الدولي الواسع ثقة متزايدة في السوق الجزائرية، التي باتت تُصنف كواحدة من الأسواق الواعدة في إفريقيا، سواء من حيث حجم الاستهلاك أو الإمكانيات الاستثمارية أو فرص تطوير الإنتاج الفلاحي والصناعات الغذائية.
كما يشير هذا الزخم الدولي إلى تنامي الاهتمام بالفلاحة الجزائرية كقطاع استراتيجي قادر على خلق فرص شراكة واستثمار طويلة المدى، خاصة في ظل الإصلاحات الهيكلية التي يشهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة.
الصالون كمنصة استراتيجية لصناعة القرار الفلاحي
لا يقتصر سيبسا فلاحة 2026 على كونه معرضًا تجاريًا تقليديًا، بل يتجاوز ذلك ليشكل منصة استراتيجية متكاملة تجمع بين العرض الاقتصادي والنقاش العلمي وصناعة القرار، حيث يتم التطرق إلى ملفات محورية مرتبطة بمستقبل الفلاحة.
وفي هذا السياق، تتمحور النقاشات حول عدة محاور أساسية كبرى كتحديث الفلاحة وتطوير الإنتاج الحيواني
يشمل ذلك تحسين السلالات، تطوير تقنيات التربية، ورفع المردودية عبر اعتماد أساليب علمية حديثة في الإنتاج الحيواني والنباتي، إدماج الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة في القطاع الفلاحي من خلال توسيع استخدام الحلول الرقمية، أنظمة التسيير الذكي، المكننة الزراعية، والتقنيات الحديثة في مراقبة الإنتاج، تعزيز المكننة الزراعية وتحديث أدوات الإنتاج
وهو محور يهدف إلى تقليل الجهد البشري، وتحسين الإنتاجية، ورفع جودة المنتوج الفلاحي الوطني، تثمين الموارد الطبيعية وتطوير الصيد البحري عبر اعتماد مقاربة مستدامة تضمن استغلالًا عقلانيًا للموارد الطبيعية، بما يحافظ على التوازن البيئي، وتطوير سلاسل القيمة الفلاحية والغذائية من الإنتاج إلى التحويل، مرورًا بالتخزين والتوزيع، بهدف رفع الكفاءة وتقليل الفاقد وتحسين الجودة النهائية للمنتوج.
السيادة الغذائية… محور استراتيجي في رؤية الدولة
يُعد ملف السيادة الغذائية أحد أهم المحاور الاستراتيجية التي تحكم رؤية الجزائر في هذا المجال، حيث تسعى الدولة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الكبرى، أبرزها، رفع الإنتاج الفلاحي الوطني بشكل مستدام، تقليص الاعتماد على الواردات تدريجيًا، تحسين جودة المنتوجات المحلية، دعم الصادرات الفلاحية نحو الأسواق الخارجية، وتشجيع الاستثمار والابتكار في القطاع الفلاحي.
ويمثل هذا التوجه تحولًا نوعيًا في السياسة الفلاحية، من منطق الاكتفاء الجزئي إلى منطق بناء فائض إنتاجي قادر على المنافسة والتصدير، ومن سوق محلية مغلقة إلى انفتاح تدريجي على الأسواق الإقليمية والدولية.
فعاليات موازية تعكس تنوع القطاع الفلاحي
بالتوازي مع المعرض الرئيسي، يشهد الصالون تنظيم سلسلة من الفعاليات المتخصصة التي تعكس تنوع القطاع الفلاحي وتكامل مكوناته، من أبرزها: “أفريكا فوود إكسبورت”، وهو صالون الصناعات الغذائية وتثمين المنتجات الفلاحية، والذي يركز على تطوير التحويل الغذائي ورفع القيمة المضافة للمنتوج الوطن، “جازاكوا” للصيد البحري و هو الصالون الدولي للصيد البحري المستدام، الذي يسلط الضوء على أهمية استغلال الثروات البحرية بشكل عقلاني ومستدام، و “أوليوماد” مسابقة زيت الزيتون البكرو هو النسخة الثانية من المسابقة الوطنية لأفضل زيت زيتون بكر، الهادفة إلى تحسين الجودة ورفع تنافسية المنتوج الجزائري في الأسواق الدولية.
نحو نموذج فلاحي جديد قائم على الابتكار والاستدامة
تعكس هذه التظاهرة بوضوح ملامح تحول هيكلي عميق يشهده القطاع الفلاحي في الجزائر، يقوم على أسس جديدة أبرزها، الابتكار كركيزة أساسية للتنمية الفلاحية، إدماج التكنولوجيا في جميع مراحل الإنتاج، تعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي، تطوير البحث العلمي الفلاحي، بناء منظومة إنتاج متكاملة من الحقل إلى السوق، ويؤكد هذا التحول أن الفلاحة الجزائرية تتجه نحو مرحلة جديدة تتجاوز النمط التقليدي، نحو نموذج اقتصادي أكثر تنافسية واستدامة وقدرة على مواجهة التحديات العالمية.
يؤكد صالون سيبسا فلاحة 2026 في طبعته الرابعة والعشرين مكانته كأحد أهم المواعيد الفلاحية في المنطقة، ليس فقط كفضاء للعرض الاقتصادي، بل كمنصة استراتيجية لإعادة رسم ملامح مستقبل الفلاحة في الجزائر.
وبين تحديات الأمن الغذائي العالمي وطموحات التحديث الداخلي، تتجه الجزائر بخطى ثابتة نحو بناء نموذج فلاحي جديد قائم على السيادة الغذائية، الابتكار، والانفتاح على الأسواق الدولية، في مسار يضع القطاع الفلاحي في قلب التحول الاقتصادي الوطني.


تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..