حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تواجه الزراعة في قطاع غزة واحدة من أسوأ مراحل التدهور في تاريخها الحديث، بعدما أدت الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 إلى أضرار واسعة طالت الأراضي الزراعية والبنية التحتية للإنتاج ومصادر المياه ووسائل الري، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الإنتاج المحلي لتوفير الغذاء للسكان.
وأظهرت أحدث التقييمات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» ومركز الأمم المتحدة المعني بالسواتل أن نحو 87% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة ما تزال متضررة، في مؤشر على حجم الدمار الذي أصاب قاعدة الإنتاج الزراعي. كما شملت الأضرار أنظمة الري والمنشآت الزراعية والأصول المرتبطة بالإنتاج.
وتكشف بيانات أحدث تقييم جغرافي مكاني، صدر في أوت 2026، عن وضع أكثر صعوبة، إذ لم تعد سوى 3% من الأراضي الزراعية في غزة متاحة وغير متضررة.
وبحسب التقييم، كان الوصول ممكنًا حتى 24 جوان 2026 إلى نحو 4091 هكتارًا، أي 27% من إجمالي الأراضي الزراعية، لكن 448 هكتارًا فقط كانت في الوقت نفسه متاحة وغير متضررة. أما المساحة المتبقية، والبالغة 3643 هكتارًا، فقد كانت متضررة وتحتاج إلى إعادة تأهيل قبل استئناف الزراعة فيها.
وتراجعت مساحة الأراضي التي يمكن الوصول إليها دون أضرار من 601 هكتار في أكتوبر 2025 إلى 448 هكتارًا، أي بانخفاض نسبته 25.5%، بينما سجلت دير البلح وخان يونس أكبر التراجعات.
ولم تسلم الدفيئات الزراعية من آثار الحرب، إذ أظهر تقييم «فاو» أن نحو 81% من مساحة الدفيئات لا تزال متضررة وخارج الإنتاج، ما يحد من قدرة المزارعين على استعادة زراعة الخضر والمحاصيل التي تعتمد على الزراعة المحمية.
كما تعرضت الآبار الزراعية وشبكات الري والمنشآت المرتبطة بالإنتاج لأضرار واسعة، وهو ما يزيد صعوبة إعادة تشغيل الأراضي حتى في المناطق التي يمكن الوصول إليها.
وبحسب تقييم الأضرار والاحتياجات السريعة الصادر في أبريل 2026، بلغت أضرار النظام الزراعي والغذائي في غزة نحو 1.44 مليار دولار، مقابل خسائر اقتصادية تقدر بـ1.46 مليار دولار.
ولا تقتصر المشكلة على تدمير الأراضي والمنشآت، إذ يواجه المزارعون أيضًا صعوبات كبيرة في الحصول على مستلزمات الإنتاج، من بذور وأسمدة ومعدات ري ووقود وغيرها من المدخلات الضرورية.
وأكدت «فاو» أن المزارعين بدأوا بالفعل في إعادة تأهيل بعض الدفيئات واستئناف الإنتاج في المناطق التي أصبح الوصول إليها ممكنًا، غير أن هذه المبادرات ما تزال محدودة مقارنة بحجم الدمار. ودعت المنظمة إلى تسهيل وصول المدخلات الزراعية والمساعدات اللازمة لاستعادة الإنتاج.
ويعني انهيار القدرة الزراعية أن سكان القطاع يفقدون جزءًا مهمًا من مصدر الغذاء والدخل في وقت لا تزال فيه أوضاع الأمن الغذائي شديدة الهشاشة. وأكدت الأمم المتحدة أن التحسن المحدود في الأمن الغذائي خلال 2026 ظل هشًا، وأن جزءًا كبيرًا من السكان لا يزال يعتمد على المساعدات الإنسانية.
وفي الوقت نفسه، يواجه المزارعون الذين تمكنوا من الوصول إلى مساحات محدودة تحديات إضافية، من بينها الآفات الزراعية ونقص وسائل المكافحة، الأمر الذي يهدد المحاصيل التي يجري إنتاجها في الظروف الصعبة الحالية.
وتؤكد الأرقام أن إعادة تشغيل الزراعة في غزة لن تتوقف على توفر الأراضي وحدها، بل ستحتاج إلى إعادة تأهيل التربة والآبار وشبكات الري والدفيئات والمنشآت الزراعية، إلى جانب توفير البذور والأسمدة والوقود ومستلزمات المكافحة ودعم المزارعين.
وتظهر التقديرات الأممية أن هناك بالفعل محاولات محدودة لاستعادة الإنتاج، إذ وسعت «فاو» خلال 2026 برامج الدعم النقدي المشروط لمساعدة نحو 1500 مزارع صغير على زراعة ما لا يقل عن دونم لكل منهم، مع توقع أن يساهم الإنتاج الناتج في توفير الخضر لنحو 100 ألف شخص خلال عام.
لكن استمرار اتساع الأضرار وصعوبة الوصول إلى الأراضي يجعل استعادة القطاع الزراعي مهمة طويلة ومعقدة، تحتاج إلى موارد كبيرة وإتاحة مستمرة للأراضي والمدخلات.
وهكذا، لا تكشف أزمة الزراعة في غزة عن تدمير قطاع اقتصادي فحسب، بل عن ضربة مباشرة لقدرة السكان على إنتاج غذائهم واستعادة مصادر دخلهم، في وقت أصبح فيه إعادة بناء الزراعة جزءًا أساسيًا من أي مسار مستقبلي للتعافي والأمن الغذائي في القطاع.